محمد أبو زهرة

1428

زهرة التفاسير

الصدمة الأولى » « 1 » ، وإن الصبر عدة الجهاد الأولى ، فلما ذا خصّ الصابرون بالذكر ، وخص الصبر بالتنويه ، ونقول في الإجابة عن هذا السؤال : إن الصبر ولو أنه عدة الجهاد ينفرد بمعنى آخر غير الجلد والصبر تحت حر القتال وفي بريق السيوف ، فإن الصبر يتضمن ثبات الفكرة واطمئنان القلب إلى الحقائق المقررة ، وعدم طيش الأحلام ، فإن الأخبار التي تثبط العزائم في الحروب إذا كانت كاذبة قد يصدقها المجاهد ، ولكن شجاعته تدفعه إلى مواصلة القتال ، وعدم التأثر ، والصابر المطمئن النفس يمحص الأخبار في وسط الاضطراب النفسي ، فإذا أشيع في ميدان القتال أن القائد قد قتل ، كان الأبرار من الجند فريقين : أحدهما - المجاهدون الشجعان الذين يستمرون على القتال ، ولو كان الخبر صادقا ، ويندفعون في الميدان . والفريق الثاني المجاهدون الذين نالوا حظ الأولين وكان لهم مع ذلك قدرة على التأمل أصادق الخبر أم كاذب ، وإذا كان صادقا حثوا غيرهم على الاستمرار وبينوا لهم أن الواجب صار أشد وأقوى وألزم ، فهذا فريق الصابرين ، وإن هذا النوع من الصبر هو أعلى أنواع الصبر ؛ لأنه ثبات الجنان ، وتحمل التبعات بأبلغ أحوالها وأشد صورها ، فهو صبر في جهاد الفكر ، وجهاد النفس ، وتحمل عبء الجاهلين الأغرار ، وتولى إرشادهم وتوجيههم . والنص يفيد أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان ، إنما هو محفوف بالمكاره والشدائد ، ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا ، ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات » « 2 » وذلك لأن المعاصي أسبابها اندفاع الشهوات الإنسانية ، وانطلاق الغرائز المنحرفة ، فليس فيها جهاد بأي نوع من أنواعه ، بل فيها تلذذ وانحراف ، وأما الجنة فسبيلها جهاد للنفس ومغالبة للهوى ، ومنازلة بين الحق والباطل ، وتكليفات يجب القيام

--> ( 1 ) سبق تخريجه من رواية البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه . ( 2 ) رواه مسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها ( 2823 ) ، والترمذي : صفة الجنة ( 2482 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 12101 ) ، والدارمي : الرقاق - حفّت الجنة بالمكاره ( 2720 ) عن أنس رضي الله عنه .